-->
U3F1ZWV6ZTY0MDA5MTE1MjBfQWN0aXZhdGlvbjcyNTEzNDk5Mzc2
recent
جديد الموقع

حكم قبول تبرع من نصراني أو يهودي لمسجد.


السؤال:


نعمل في لجنة تنظيم شؤون احد المساجد الضخمة، احتاج المسجد إلى أجهزة تبريد ( كونديشنات )، فذهبنا لشرائها من شركة يملكها رجل من أهل الكتاب ( نصراني أو يهودي )، فعندما عرف أن الأجهزة لمسجد خصم 40% من ثمن الأجهزة تبرعا منه للمسجد، فهل يجوز شراء هذه الأجهزة منه أم لا، وهل يقبل تبرعه لصالح المسجد علما أن ربنا يقول في محكم تنزيله (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [التوبة: 17]، أفيدونا أفادكم الله؟

الجواب:


لا حرمة في شراء الأجهزة منه وذلك للأسباب التالية:

السبب الأول: ظاهر المراد بالعمارة هي العمارة المعنوية بملء المساجد بالصلاة فيها، وإقامة الشعائر فيها، وليس الإعمار الحقيقي بالبناء، والقرينة الدالة على إخراج العمارة بمعنى البناء وتقييد العمارة بمعنى إقامة الشعائر وإحياء المساجد بالعبادة فيها وجعلها منارة هداية في المجتمع: أن البيت الحرام أول المساجد على الأرض، وأعظم مساجد المسلمين على الإطلاق، عندما هدمه السيل في الجاهلية أعاد المشركون بناءه من أموالهم، وعندما جاء الإسلام لم يقم النبي r ولا صحابته بهدمه بداعي أنه بني على نفقة المشركين من مالهم، حتى عندما قال النبي r لعائشة ( يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا فبلغت به أساس إبراهيم )[1]، فكان دافع رغبته بهدمة أنهم بنوه على غير أصل إبراهيم بسبب عدم كفاية المال الحلال لبنائه لا لأنهم بنوه وهم مشركون من مالهم.

قال ابن رجب الحنبلي مبينا ما ذهبتُ إليه: " عمارة المساجد تكون بمعنيين:
1)   أحدهما: عمارتها الحسية ببنائها وإصلاحها وترميمها، وما أشبه ذلك.
2)   والثاني: عمارتها المعنوية بالصلاة فيها، وذكر الله وتلاوة كتابه، ونشر العلم الذي أنزله على رسوله، ونحو ذلك.

وقد فسرت الآية بكل واحد من المعنيين، وفسرت بهما جميعا، والمعنى الثاني أخص بها "[2].

ويدل على أن معنى العمارة الصلاة في المساجد رواية الترمذي في سننه وحسنها عن أبي سعيد قال: قال رسول الله r إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان قال الله تعالى { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر }([3]) قال الحاكم في المستدرك: هذه ترجمة للمصريين لم يختلفوا في صحتها و صدق رواتها غير أن شيخي الصحيح لم يخرجاه و قد سقت القول في صحته ما تقدم[4]، وخالفه الذهبي وأكثر من اطلعت على تخريجهم للحديث من القدماء والمحدثين فيستأنس بالرواية على أقل تقدير.

السبب الثاني: إن سلمنا أن الإعمار الحقيقي بالبناء داخل في إطلاق الآية، وانه يحرم على المشركين القيام بإعماره، فالإعمار يراد به في اللغة والعرف البناء، أما تأثيث المساجد فليس من إعمارها لأنه ليس بناء لها.

السبب الثالث: كما أن الله عز وجل منع المشركين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر من عمارة المساجد فقط ولم يمنع من لم يؤمن بمحمد r، وأهل الكتاب يؤمنون بالله وباليوم الآخر ويقيمون صلاتهم وزكاتهم حيث قال ربنا (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) [التوبة: 17، 18]، فعسى أن يكون هذا المتبرع من المهتدين.

ويدل لذلك ويؤيده أن سبب نزول هذه الآية أنه لما أسر العباس رضي الله تعالى عنه يوم بدر أقبل عليه المسلمون يعيرونه بالكفر وأغلظ له علي رضي الله تعالى عنه، فقال العباس ما لكم تذكرون مساوينا دون محاسننا فقال له علي ألكم محاسن؟ قال: نعم إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله تعالى هذه الآية([5])، فقد نزلت في مشركي قريش ومن على شاكلتهم دون أهل الكتاب.

وقد صحح جمهور الفقهاء الصدقة لصالح المسجد، فقد اختلف الفقهاء في وقف الذمي على المسجد، فذهب الجمهور إلى صحته لعموم أدلة الوقف، ومنعه المالكية([6])، والله تعالى أعلم.

مصدر الفتوى من كتاب: 


(فتاوى معاصرة)، مؤلف الكتاب: للدكتور أيمن عبد الحميد البدارين، دار النشر: دار الرازي للنشر والتوزيع، مكان النشر: عمان، الأردن، رقم الطبعة: الطبعة الأولى، سنة الطبع: 1434هـ-2013م، رقم الصفحة (32-35).


[1]. البخاري، صحيح البخاري (2/574).
[2]. ابن رجب، زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن الشهير بابن رجب، دار ابن الجوزي، فتح الباري (2/481)، السعودية، الدمام، 1422هـ، الطبعة: الثانية، تحقيق: أبو معاذ طارق بن عوض الله بن محمد.
[3]. الترمذي، محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي، سنن الترمذي (5/277)، دار إحياء التراث العربي بيروت، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون.
[4]. الحاكم، المستدرك على الصحيحين مع تعليقات الذهبي في التلخيص (1/332).
[5]. ابن بطال، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (7/45).
[6]. مجموعة من المؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية (37/222).
الاسمبريد إلكترونيرسالة

مشاركة هذه الصفحة