-->
U3F1ZWV6ZTY0MDA5MTE1MjBfQWN0aXZhdGlvbjcyNTEzNDk5Mzc2
recent
جديد الموقع

لا يجب شرعا المساواة بين الأبناء في العطية

لا يجب شرعا المساواة بين الأبناء في العطية الدكتور ايمن البدارين

السؤال:

هل صحيح أن الراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من عدم وجوب المساواة بين الأبناء في العطية!!!

الجواب:

يكثر سؤال الناس في مجتمعنا عن المساواة بين الأبناء في الإعطاء: هل يجوز للأب أن يعطي أحد الأخوة مالاً أو أرضا يملكها أو غير ذلك ولا يعطي الآخرين؟.

الذي أميل إليه وأرجحه هو قول جمهور الفقهاء في المعتمد في المذهب الحنفي والمالكي والشافعي الذين لم يوجبوا على الأب العدل بين الأبناء في العطية وإنما هو فقط مستحب مندوب لا يأثم تاركه، ويثاب فاعله، وإن كان الورع والتقوى مراعاة مذهب الحنابلة في المعتمد وأبي يوسف ورواية عند الإمام مالك القائلين بوجوب العدل في العطية بين الأبناء.

فإن اعترض معترض واستدل مستدل على وجوب العدل في العطية بين الأبناء بقول النبي r في الحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: ( سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله ثم بدا له فوهبها لي فقالت لا أرضى حتى تشهد النبي فأخذ بيدي وأنا غلام فأتى بي النبي فقال إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا قال ألك ولد سواه قال نعم قال فأراه قال لا تشهدني على جور، وقال أبو حريز عن الشعبي لا أشهد على جور)([1]).

أقول: هذا الحديث مع صحته لكنه لا يدل على وجوب العطية بين الأبناء، فقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بورود رواية في صحيح مسلم جاء فيها عن النعمان بن بشير قال: ( انطلق بي أبى يحملني إلى رسول الله فقال: يا رسول الله اشهد أني قد نحلت النعمان كذا وكذا من مالي. فقال: أكل بنيك قد نحلت مثل ما نحلت النعمان؟. قال: لا. قال: فأشهد على هذا غيري. ثم قال: أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟. قال: بلى. قال: فلا إذا )([2]).

وجه الدلالة من الحديث أن النبي r طلب إليه أن يشهد غيره على هذه العطية التي لا عدل فيها بين الأبناء، فلو كان حراما لما أحل لغيره أن يشهد على حرام، فإقرار النبي لغيره أن يشهد عليه دليل جوازه؛ لأنه لا يحرم الشهادة على ظلم، فيكون هذا الحديث قرينة صارفة من وجوب العدل إلى الندب.

كما أن النبي بين سبب كراهة عدم المساواة بينهم بالسوية وهو جعلهم في بره سواء، والمساواة بالبر ليست واجبة بل أصل البر واجب والزيادة مندوبة وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فالبر مستحب، ووسيلة المستحب وهو المساواة في العطية تكون مستحبة أيضا فوسيلة المندوب مندوبة في الغالب، كما أن النبي r قال له: " أيسرك" التي تفيد الحث دون الوجوب.

واستدل الجمهور بأن الصديق رضي الله عنه فضل عائشة رضي الله عنها على غيرها من أولاده في هبة، وفضل عمر رضي الله عنه ابنه عاصما بشيء من العطية على غيره من أولاده.

وأما حديث (سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مؤثرا أحدا لآثرت النساء على الرجال ) فهو ضعيف([3])، وإن صح يحمل على الندب لا الوجوب.

كما أن الأب يتصرف في ماله، ومن تصرف في ماله فما ظلم، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، فنفقة البناء القُصّر أو غير القادرين على الكسب لمرض أو إعاقة أو أي سبب شرعي آخر يجعل نفقتهم واجبة على الأب، أما غير ذلك من قسمة بقية ماله بينهم بالسوية لا دليل على وجوبه.

وليتنبه أنه عند الحنابلة أن الأب " إن خالف فسوّى بين الذكر والأنثى أو فضلها عليه أو فضل بعض البنين أو بعض البنات على بعض أو خص بعضهم بالوقف دون بعض فقال أحمد في رواية محمد بن الحكم: إن كان على طريق الأثرة فأكرهه، وإن كان على أن بعضهم له عيال وبه حاجة، يعني فلا بأس به، ووجه ذلك أن الزبير خص المردودة من بناته دون المستغنية منهن بصدقته. وعلى قياس قول أحمد لو خص المشتغلين بالعلم من أولاده بوقفه تحريضا لهم على طلب العلم، أو ذا الدِّيْن دون الفساق، أو المريض، أو من له فضل من أجل فضيلته فلا بأس، وقد دل على صحة هذا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه نحل عائشة جذاذ عشرين وسقا دون سائر ولده([4]).

فحتى الحنابلة الذين أوجبوا العدل في العطية بين الأبناء وحدهم من بين المذاهب الأربعة أجازوا عدم العدل لمصلحة كأن كان من أعطاه زيادة عن باقي أخوته عنده زيادة دين ليحث بقية الأبناء على التقرب إلى الله أكثر، أو مريض يحتاج مزيدا من المال أو يدرس بحاجة إلى نفقات للعلم أو كأن كان متزوجا وعنده أولاد بحاجة إلى مزيد مال لينفق على زوجته وعياله... وغيرها الكثير من الأسباب التي يمكن أن تخرج على مذهب الحنابلة مما يفيد أن العدل مطلقا غير واجب باتفاق، وإنما هو عدل مبني على مصلحة كل طرف، إذ ليس من العدل أن يكون ما يعطيه الأب للمتزوج كما يعطيه لغيره، أو المصروف الذي يعطيه لولده في الجامعة كالمصروف الذي يعطيه لولده في المدرسة، ومن يحتاج للذهاب إلى مدرسته إلى مواصلات كمن لا يحتاج ذلك، ومن لا يعمل كمن يعمل...

ولحديث عمر أنه كتب: ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللهِ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ أَنَّ ثَمْغًا([5])، وَصِرْمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، وَالْعَبْدَ الَّذِي فِيهِ، وَالْمِائَةَ سَهْمٍ الَّتِي بِخَيْبَرَ، وَرَقِيقَهُ الَّذِي فِيهِ، وَالْمِائَةَ الَّتِي أَطْعَمَهُ مُحَمَّدٌ r بِالْوَادِي: تَلِيهِ حَفْصَةُ مَا عَاشَتْ، ثُمَّ يَلِيهِ ذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا أَنْ لاَ يُبَاعَ وَلاَ يُشْتَرَى يُنْفِقُهُ حَيْثُ رَأَى مِنَ السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَذَوِي الْقُرْبَى، وَلاَ حَرَجَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ إِنْ أَكَلَ أَوْ آكَلَ أَوِ اشْتَرَى رَقِيقًا مِنْهُ )([6])، وجه الدلالة أنه جعل ولايته لحفصة ولأهلها فقط دون بقية أخوتها، فلم يساوي بينهم في العطية.

واختلفوا كذلك في معنى التسوية بين الذكر والأنثى من الأولاد. فذهب جمهور الفقهاء إلى أن معنى التسوية بين الذكر والأنثى من الأولاد: العدل بينهم في العطية بدون تفضيل؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك لم تفرق بين الذكر والأنثى. وذهب الحنابلة، والإمام محمد بن الحسن من الحنفية، وهو قول مرجوح عند الشافعية إلى أن المشروع في عطية الأولاد القسمة بينهم على قدر ميراثهم: أي للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأن الله سبحانه وتعالى قسم لهم في الإرث هكذا، وهو خير الحاكمين، وهو العدل المطلوب بين الأولاد في الهبات والعطايا([7]).

فعلى هذا لم يوجب أحد في المعتمد من المذهب الأربعة المساواة بين الذكر والأنثى في العطية، وإنما العطية الواجبة إنما هي بحسب الميراث.

فإن اعترض معترض بأن عدم العدل في المساواة في العطية بين الأبناء يؤدي إلى التحاسد والتباغض والنزاع بين الأبناء بل أدى في بعض الحالات إلى القتل! فيكف يكون العدل مندوبا لا واجبا، وعدم العدل مكروها لا محرما؟!

الجواب أن المشكلة ليست في عدم العدل وإنما في طريق تفكير هؤلاء الأبناء المنحرفة، فهذا الخلل ناتج من اعتقاد الأبناء أن مال أبيهم لهم لا لأبيهم وان لهم حقاً فيه، هذه النظرة الخطأ تجعل من عدم العدل سببا لتلك المشاكل والمشاحنات، فإن عرف الابن أن ليس له في مال أبيه حق بعد البلوغ وبعد قدرته على الكسب فعندها يصبح مال أبيه كمال أي رجل غريب، لو وهب هذا الغريب لأحد إخوانه ولم يعط الأخ الآخر فلا يغضب إن كان حسن السريرة، سوي الباطن، طيب النفس، طهره الله من داء الحسد، وإلا فإننا نجد كثيرا من الإخوة تقع بينهم المشاكل والمشاحنات كون رب العزة جل وعلا تفضل على أخيه بزيادة في الرزق لم تتوفر له، فتقع المشاحنات والبغضاء معترضا على أخيه وهو في الحقيقة معترض على المنعم عز وجل.

فإن كانت المشكلة في هذا التصور الخطأ الذي نما مع الأبناء منذ نعومة أظفارهم بسبب نظرة المجتمعات أن العدل بين الأبناء في العطية واجب، هذه النظرة التي جعلت الأبناء ينظرون إلى مال أبيهم على انه مالهم هو الذي أدى إلى تلك المشاكل المجتمعية بين الأخوة، فالحل يكمن في علاج تلك النظرة بما قلت من عدم وجوب المساواة بين الأبناء في العطية، فلا نحل المشكلة بأمر خارج عنها وهو سببها واسها وهو اعتقاد الأبناء بوجوب العدل من قبل الوالدين في العطية بينهم.

فإن قال قائل: عدم المساواة في العطية يؤدي إلى عقوق الوالدين، وهذا مشاهد محسوس في كثير من الحالات، فيجب العدل منعا لما يؤدي إلى العقوق.

الجواب: أن القول بوجوب المساواة بين الأبناء في العطية هو الذي يؤدي إلى عقوق الوالدين أكثر من القول الراجح بعدم الوجوب؛ لأن الأبناء مستندين إلى القول بوجوب المساواة أصبحوا يعتقدون في مال آبائهم حقا، ولو منعوهم هذا الحق لسخطوا عليهم، ولعقوهم جزاء ظلمهم، فأصبح الآباء يخافون من صرف شيء من أموالهم دون علم أبنائهم حتى لا يسخط الأبناء، بل أصبح ما ينفقه الأب على أبنائه الكبار في نظر الأبناء واجبا من الأب لا يقتضي برا من الأبناء، بل لو أساء الابن الأدب مع الأب فلا يحق للأب أن يربي هذا الابن بمنعه شيئا من مال الأب استنادا إلى هذا الرأي، فأصبح مال الآباء حقا للأبناء لا مالا للآباء في نظر الأبناء مما يدفع إلى قلة برهم.

الخلاصة أن العطية غير واجبة عند الجمهور، ولم يوجبها سوى الحنابلة وبعض الفقهاء، وحتى هؤلاء لو وجدت مصلحة لعدم المساواة فلا تجب حينئذ، والله تعالى أعلم.

مصدر الفتوى من كتاب: 

(فتاوى معاصرة)، مؤلف الكتاب: للدكتور أيمن عبد الحميد البدارين، دار النشر: دار الرازي للنشر والتوزيع، مكان النشر: عمان، الأردن، رقم الطبعة: الطبعة الأولى، سنة الطبع: 1434هـ-2013م، رقم الصفحة (97-103).



[1]. البخاري، صحيح البخاري (2/938)، دار ابن كثير، اليمامة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1407 1987، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا أستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة - جامعة دمشق.

[2]. مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، صحيح مسلم (5/66) دار الجيل بيروت + دار الأفاق الجديدة، بيروت.

[3]. قال الهيثمي: فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث. قال عبد الملك بن شعيب: ثقة مأمون ورفع من شأنه، وضعفه أحمد وغيره. الهيثمي، مجمع الزوائد 4/153، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.

[4]. ابن قدامة، المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (6/233)، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1405هـ.

[5]. صرمة: القطعة اليسيرة من النخل وقيل من الإبل.

[6]. أبو داود، سنن أبو داود (3/117)، دار الفكر، بيروت.

[7]. مجموعة من المؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية (11/360).


تعديل المشاركة رأيك في المقال:
author-img

الدكتور ايمن البدارين

تعليقات
    ليست هناك تعليقات

      الاسمبريد إلكترونيرسالة

      مشاركة هذه الصفحة