-->
U3F1ZWV6ZTY0MDA5MTE1MjBfQWN0aXZhdGlvbjcyNTEzNDk5Mzc2
recent
جديد الموقع

جواز التهنئة بدخول العام الهجري أو الميلادي الجديد

 


        السؤال:


            ما حكم التهنئة بدخول العام الهجري أو الميلادي الجديد؟


        الجواب:

        التهنئة بأي عام جديد على أي تقويم كان هجريا أو ميلاديا إن كان القصد منه بداية صفحة جديدة في الحياة ودعوة إلى أن يكون العام القادم أفضل ولحظة تقييم وتأمل في خارطة الحياة فلا بأس بذلك شرعاً، وهو من باب العادات الحسنة وليس العبادات.


        أما التهنئة بدخول العام الهجري - الذي هو الأصل في التقويم لجميع المسلمين اليوم - فلا أقل من إباحته، بل نفتي بندبه؛ لما تتضمنه هذه التهنئة من استشعار أهمية الهجرة في فتح صفحة جديدة في تاريخ الأمة، صفحة عز وإباء وكبرياء، صفحة شموخ وتمكين، صفحة الهجرة من الباطل إلى الحق لإقامة دولة الإسلام وشروق شمس دولته على العالم أجمع... حتى جعل الله تعالى الهجرة فيصلا بين مرحلتين في تاريخ الأمة الإسلامية (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا) [الحديد: 10] (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) [الأنفال: 72] (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الأنفال: 74، 75] (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) [التوبة: 20] (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 100].

        

        ويمكن دخول حكم التهنئة بالعام الجديد تحت عموم التحية (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أو رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) [النساء: 86]، كما يدخل تحت عموم الدعاء للغير بالخير (ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب، إلا قال الملك: ولك بمثل)([1])، كما تدخل تحت عموم النصوص الداعية إلى تذكر مرور الزمان لمحاسبة النفس كقوله تعالى (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّر) [فاطر: 37] كما يمكن قياس ندب التهنئة بدخول العام الهجري الجديد على استبشار النبي r بدخول شهر رمضان في أحاديث كثيرة، والتهنئة نوع استبشار.


        أما التهنئة بدخول العام الميلادي الجديد فهو مباح أيضا؛ للأدلة السابقة، ولأن بداية العام الميلادي إن كان هو يوم ميلاد عيسى عليه السلام كما يدعون- فنحن نؤمن بنبوة عيسى عليه السلام ونصلي عليه، وقد عظم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام اليوم الذي نجى الله فيه موسى من فرعون وصامه وأمر بصيامه وهو يوم عاشوراء، وقال: نحن أحق بموسى منهم. وأقول: نحن أحق بعيسى منهم. هذا يوم ميلاده نذكر الناس ونحييه بعبادة محاسبة النفس على ما فات والندم على التقصير والوقوع في الظلمات وأن نفتح صفحة جديدة مع الله تعالى ومثله المباركة ببداية العام الهجري.


        فإن قصد من المباركة تعظيم دين المسيحيين أو التشبه بدينهم فهو محرم، ولا أظن مسلما ملتزما يفعلها! كما يحرم وضع شجرة عيد الميلاد وتزيينها ولبس ثياب بابا نويل كما يفعل بعض جهلة المسلمين، كما يحرم الاحتفال مع النصارى في أعيادهم بما تتضمنه من اختلاط وفجور ومعاصي كما يفعل كثير من المسلمين اليوم.


        مع التنبيه أن بداية هذا العام لم تعد مقتصرة على المسيحيين بل أصبحت عادة عالمية والمحرم التشبه بالكفار فيما كان خاصا بأمورهم الدينية، أما العادات الاجتماعية العالمية كبداية العام فلا يدخل تحت النهي عن التشبه بالكفار، فقوله عليه الصلاة والسلام: (من تشبه بقوم فهو منهم)([2]). أي تشبه بما ميزهم عن غيرهم وأعطاهم صفة القوم عن غيرهم. فالتشبه بالمسيحيين بما جعلهم مسيحيون وهو دينهم هو المحرم، أما التشبه بهم بما هم مشتركون به مع غيرهم أو وفق عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية ولا يميزهم دينيا فليس من التشبه المحرم.


        قال ابن نجيم الحنفي: " اعلم أن التشبيه بأهل الكتاب لا يكره في كل شيء وإنا نأكل ونشرب كما يفعلون إنما الحرام هو التشبه فيما كان مذموما وفيما يقصد به التشبيه"([3]). وقال ابن عابدين: "صورة المشابهة فيما تعلق به صلاح العباد لا يضر"([4]).

 

        ولا يقال هو بدعة لم يفعله النبي r؛ لأن البدعة المحرمة ما كانت في الدين وليست التهنئة بدخول العام الجديد أمراً دينياً أصلاً، بل هو أمر مبتدع عندهم فلم يحتفل المسيح بيوم ميلاده ناهيك عن عدم ثبوت تاريخ ميلاده أصلاً حيث اختلفت فيه الطوائف المسيحية! بل أشار القرآن إلى بطلانه بأن عيسى ولد في شهر الرطب أي آخر الصيف (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) [سورة مريم 25] فليس بداية العام هو وقت مناسبة دينية أصلاً وواقعاً فأين التشبه بهم!


        بل إن بابا الفاتيكان انتقد الاحتفال بنهاية العام الميلادي حيث جاء في بعض الصحف نصا: "انتقد البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، الخميس، الاحتفال بعيد الميلاد واصفًا إياه «بالجاهلية وأنه صورة زائفة تصور حكاية خرافية مائعة، لا وجود لها في الإنجيل»"([5]).


        أما تهنئة أصحاب الديانات الأخرى باحتفالاتهم فمسألة خلافية مشهورة منعه البعض وأجازه البعض بصيغة لا تدل على إقرارهم على معتقدهم كقولك لهم: كل عام وأنتم بخير. وجعلوها داخلة تحت عموم قوله تعالى (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [سورة الممتحنة 8] وجعلوها نوع بر بهم.


مصدر الفتوى 

من كتاب: (فتاوى معاصرة 2)، مؤلف الكتاب: للدكتور أيمن عبد الحميد البدارين، دار النشر: دار النور المبين للنشر والتوزيع، مكان النشر: عمان، الأردن، رقم الطبعة: الطبعة الأولى، سنة الطبع: 1439هـ-2017م، رقم الصفحة (174-177).




([1]) مسلم، صحيح مسلم (4/2094).

([2]) ضعف اسناده الأرنؤوط وصححه الألباني. أبو داود، سنن أبي داود ت (6/144).

([3]) ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (2/11).

([4]) ابن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي (-1252هـ)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)، دار الفكر-بيروت، الطبعة الثانية، 1412هـ - 1992م، (1/624).

([5]) كما جاء في صحيفة المصري اليوم والوفد واليوم السابع وغيرها من الصحف في 26-12-2013.


تعديل المشاركة رأيك في المقال:
author-img

الدكتور ايمن البدارين

تعليقات
    ليست هناك تعليقات

      الاسمبريد إلكترونيرسالة

      مشاركة هذه الصفحة