-->
U3F1ZWV6ZTY0MDA5MTE1MjBfQWN0aXZhdGlvbjcyNTEzNDk5Mzc2
recent
جديد الموقع

حكم أخذ الأجرة على صناعة أحذية من جلد الخنزير لأهل الكتاب.

 


السؤال:

مصنع جلود تأتيه الجلود من اليهود ليصنع منها أحذية جلدية تباع في إسرائيل، هل يجوز للمصنع أن يصنعها لهم، ويأخذ أجرة عمله لصنعها؟

الجواب:

جلد الخنزير نجس لا يطهر بالدباغ على الراجح؛ أما نجاسته فثابتة بقوله تعالى (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) (الأنعام 145)، فقد حكم على الخنزير نفسه بأنه رجس أي نجس، فتكون النجاسة شاملة للحمه وغيره، ولا يرجع على لفظ لحم؛ لأن الآية نصت في أولها على تحريم اللحم ولو كان رجع الضمير في إنه على اللحم أيضا لكان تأكيدا لا تأسيسا لمعنى جديد، والتأسيس أولى من التأكيد، فوجب عوده إلى كلمة خنزير؛ ليفيد الكلام تحريم بقية أجزائه، ولو قلنا أنه تأكيد بنجاسة لحم الخنزير فالجلد خلايا لحمية كباقي لحكم الجسد، فهو نوع لحم لغةً وشرعاً وطباً، ولعموم مقتضى قوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ) (المائدة:3) الشامل للأكل وباقي أوجه الانتفاع ومنها اللبس، وقاسه كثير من العلماء على الكلب بجامع تحريم عينه ولكونه أسواء حالاً وأقل نفعاً منه؛ حيث نص على تحريمه في القرآن دون الكلب الثابت تحريمه في السنة، وللإجماع على تحريم أكله بخلاف الكلب، لذلك ندب كثير من الفقهاء كالشافعية قتله دون سبب بخلاف الكلب.

وقد نقل الإجماع على تحريم ونجاسة الخنزير عدد كبير من العماء منهم ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على تحريم ‌الخنزير، والخنزير محرم بالكتاب والسنة واتفاق الأمة... لا يجوز استعمال المحرم بحال استدلالا بخبر جابر عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل في شحوم أنه يدهن بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستنفع بها الناس، قال: لا، هي حرام، ثم ذكر قصة اليهود، ففي حديث جابر دليل أن ما حرمه رسول الله صلى عليه وسلم محرم استعماله، ومحرم بيعه، وشراؤه"[1]، وقال في موضع آخر:" وأجمعوا على أن بيع ‌الخنزير وشراءَه حرام"[2]، وقال ابن حزم: "وَاتَّفَقُوا أَن لحم ‌الْخِنْزِير وشحمه وودكه وغضروفه ومخه وعصبه حرَام كُله وكل ذَلِك نجس"[3]، وقال ابن القطان: "وأجمع العلماء على نجاسة ‌الخنزير"[4] بعد نقله الإجماع على تحريمه أيضا.

وأما عدم طهارته بالدباغ فلأن الدبغ يُطَهِّر النجاسة الطارئة بالموت، أما الخنزير فهو نجس العين أثناء حياته، وموته يزيده نجاسة فلا ترتفع النجاسة الأصلية، وبما أنه نجس فهو غير متقوم شرعا، فلا قيمة له في نظر الشرع فلا يصح بيع جلده ولا شرائه، وإن حصل فهو بيع باطل، والإقدام على البيع الباطل محرم شرعاً.

أما إن لم يشتره الدابغ المسلم وإنما اشتراه غير المسلم كالنصراني أو اليهودي وطلب إليك العمل به فلا حرمة في هذا العمل، بل هو مجرد التعامل مع النجس، ولا تنتقل النجاسة منه إلا ببلل الجلد أو اليد، وإن تنجست فهذه النجاسة تزول بالغسل فلا إشكال، فيكون الأجر على العمل وهو تشكيل وصنع الأحذية وغيرها من هذا الجلد، فلا بأس بأخذ الأجرة عليه، خاصة أنه حلال في دينهم، ويطهر بالدباغ على رأي معتبر في ديننا.

مع التنبيه على شرط في غاية الأهمية لجواز هذا العمل وهو أن تكون هذه المنتجات المصنوعة من جلد الخنزير كالأحذية والسترات والشنط... لا تباع عند المسلمين؛ لأن في استعمال المسلم لها وهو يعلم مفسدة التنجس بها غالبا، وإن كان لا يعلم فهو غش مرفوض شرعا؛ لأن المسلم تصده فطرته عن شراء هذا الجلد عادة فلا يدفع فيها السعر المطلوب أو لا يدفع فيها ثمنا أصلا إن علم بوجود جلد الخنزير، فوجود جلد الخنزير عيب يجب توضيحه، وفي صناعة هذه المنتجات تعاون على الإثم والعدوان بنص قوله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة: 2] ، والله تعالى أعلم.



[1] ابن المنذر، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (المتوفى: ٣١٩هـ)، الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، تحقيق: أبو حماد صغير أحمد بن محمد حنيف، دار طيبة - الرياض – السعودية، الطبعة: الأولى - ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م،  (2/ 280)

[2] ابن المنذر،  الإجماع لابن المنذر ت أبي عبد الأعلى، المحقق: أبو عبد الأعلى خالد بن محمد بن عثمان، دار الآثار للنشر والتوزيع، القاهرة – مصر، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م، (ص103)

[3] ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى : ٤٥٦هـ)، مراتب الإجماع، دار الكتب العلمية - بيروت (ص23).

[4]  ابن القطان، علي بن محمد بن عبد الملك الكتامي الحميري الفاسي، أبو الحسن ابن القطان (المتوفى: ٦٢٨ هـ)، الإقناع في مسائل الإجماع ت الصعيدي، المحقق: حسن فوزي الصعيدي، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م (1/ 109).


مصدر الفتوى 

من كتاب: (فتاوى معاصرة)، مؤلف الكتاب: للدكتور أيمن عبد الحميد البدارين، دار النشر: دار الرازي للنشر والتوزيع، مكان النشر: عمان، الأردن، رقم الطبعة: الطبعة الأولى، سنة الطبع: 1434هـ-2013م، رقم الصفحة (108-109).


تعديل المشاركة رأيك في المقال:
author-img

الدكتور ايمن البدارين

تعليقات
    ليست هناك تعليقات

      الاسمبريد إلكترونيرسالة

      مشاركة هذه الصفحة